مجموعة مؤلفين
126
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
« سيعود الإسلام غريبا كما بدأ غريبا ، فطوبى للغرباء من أمتي » . والصوفي في الدنيا غريب ، لأنه مفقود الوطن ، إذ وطنه الحق هو عالم الألوهية ، عالم الحقيقة ، فهناك الحياة الأبدية . وبالجملة فإن أهم ما يريد ابن عربى إبرازه في مذهب شيخه أبى مدين هو التوحيد ، أي القول بأن الوجود واحد ، ولا موجود إلا اللّه . فهذا هو التوحيد الحق ، و « توحيد العارفين محض التحقيق » « 1 » ، وكل صوفىّ يظل مسافرا إلى جمال الحضرة العلية ، ولا يستقر به المقام إلا في التوحيد ، إذ التوحيد كما قلنا غاية المقامات ونهاية الأحوال . والصوفي لا يشعر بالوصول إلّا إذا فنى عن الإحساس فأدرك أنه في « حضرة الإيناس » « 2 » . وابن عربى يرى أن أبا مدين قد بلغ غاية الغايات ، فيقول إن بعض الفقراء رأى اللّه تعالى في المنام وهو يقول لأبى مدين « 3 » : « مادة سرّك بسنا نوري ؛ وغذاء روحك برؤيتى وسروري ؛ وقلبك موضع عظمتي وجبروتي . هي أحوال منى اقتبستها ، ولى رددتها . فأنت بي ولى صرت يا أبا مدين ! جاوز نظر الناظرين نظرك ، وتعلق بي فكرك . فلما قدرتنى قدرى كنت سمعك وبصرك ، وعرّفتك بي فعرفتني ، ونزهت سرّك عن سواي فنزهتنى ، فأنت ظاهر وباطن بي ولى . - فقال أبو مدين : سبحانك ! سبحانك ! اللهم أدم فضلك . أعجزت الأوهام عن وصف وصفك ، وامتلأت الأسرار أنسا بذكرك . ثنائى ثناؤك ، وأمرى أمرك . فواصل اللهم نوري بنورك ، فلا يقتبس الفضل منك إلا بك » . وهذه درجة من الأنس باللّه لا يبلغها إلّا القطب . وابن عربى في « مواقع النجوم » يشهد له أولا ( ص 151 ) بالإمامة ، وأن مرتبته فوق الأبدال ، لأن الأبدال تعتاص عليها بعض الأشياء ، وهو لا يعتاص عليه شئ ، ولهذا
--> ( 1 ) « محاضرة الأبرار » ، ج 2 ، ص 15 . ( 2 ) ج 2 ، ص 31 . ( 3 ) ج 1 ، ص 242 .